ابن قيم الجوزية
69
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
رجلا من جهينة أو مزينة أتى إلى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فقال : يا رسول اللّه : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون ، فيه شيء قضي عليهم ، أو مضى عليهم في قدر قد سبق ، أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم ، واتّخذت عليهم الحجة ؟ قال : بل شيء قضي عليهم ، قال : فلم يعملون إذا يا رسول اللّه ؟ ! قال : من كان اللّه عز وجل خلقه لواحدة من المنزلتين ، فهيّأه لعملها ، وتصديق ذلك في كتاب اللّه وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) [ الشمس ] « 1 » . وقال المحاملي : حدثنا أحمد بن المقدام : حدثنا المعتمر بن سليمان . قال : سمعت أبا سفيان يحدث عن عبد اللّه بن دينار ، عن عبد اللّه بن عمر ، أنه قال : نزل « فمنهم شقي وسعيد » فقال عمر : يا نبي اللّه : علام نعمل ، على أمر قد فرغ منه ، أم لم يفرغ منه ؟ قال : لا ! على أمر قد فرغ منه ، قد جرت به الأقلام ولكن كل ميسر . أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى » « 2 » . فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القدر السابق لا يمنع العمل ، ولا يوجب الاتكال عليه ، بل يوجب الجد والاجتهاد ، ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال : ما كنت أشد اجتهادا مني الآن . وهذا مما يدل على جلالة فقه الصحابة ودقّة أفهامهم وصحة علومهم ، فإن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أخبرهم بالقدر السابق وجريانه على الخليقة بالأسباب ، فإن العبد ينال ما قدّر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكّن منه وهيّئ له ، فإذا أتى
--> ( 1 ) أحمد ( 4 / 438 ) ، وهو في مسلم ( 2650 ) . ( 2 ) صحيح . رواه الترمذي ( 3111 ) عن عمر بن الخطاب . ولم نره في أمالي المحاملي ، واللّه أعلم .